بورقيبة… ذكرى رحيل زعيمٍ صنع الدولة وترك إرثاً من الإنجازات




 تحلّ في هذا اليوم ذكرى رحيل الزعيم الحبيب بورقيبة، "المجاهد الأكبر" ومؤسس الدولة التونسية الحديثة، الذي وافته المنية في السادس من أفريل سنة 2000، بعد مسيرة طويلة ترك خلالها إرثاً سياسياً وفكرياً لا يزال إلى اليوم محل نقاش وجدال. ولا تمثل هذه الذكرى مجرد استحضار لشخص حكم البلاد لعقود، بل هي لحظة تأمل في رحلة شعب انتقل من ربقة الاستعمار إلى بناء دولة وطنية مستقلة.

لم يكن مسار بورقيبة سهلاً، بل اتسم بالكثير من التحديات والمعاناة، حيث قضى سنوات من حياته بين المنافي والسجون خلال فترة الاستعمار. وقد عُرف بذكائه السياسي واعتماده على ما سماه بسياسة "المراحل"، مؤمناً بأن التحرر لا يتحقق دفعة واحدة، بل عبر تحقيق مكاسب تدريجية. كما آمن بأهمية التفاوض كأداة لا تقل فاعلية عن الكفاح المسلح، وهو ما ساهم في تحقيق استقلال تونس بأقل الخسائر مقارنة بتجارب أخرى.

وبعد الاستقلال، خاض بورقيبة معركة من نوع آخر، وصفها بـ"الجهاد الأكبر"، وهي معركة بناء الدولة الحديثة وتحديث المجتمع. وقد تميزت هذه المرحلة بإصلاحات جريئة، من أبرزها إصدار مجلة الأحوال الشخصية التي منحت المرأة التونسية حقوقاً متقدمة، مثل منع تعدد الزوجات وإقرار الطلاق القضائي. كما أولى اهتماماً كبيراً بالتعليم، معتبراً أن الاستثمار في الإنسان هو الثروة الحقيقية لتونس، إلى جانب تطوير منظومة الصحة العمومية لتشمل مختلف أنحاء البلاد، إيماناً بأن المواطن السليم هو أساس المجتمع القوي.

ورغم هذه الإنجازات، لم يخلُ حكمه من جوانب سلبية، حيث تمسك بالسلطة لفترة طويلة، ما أدى إلى تضييق المجال السياسي وظهور ملامح الحكم الفردي. ومع ذلك، يبقى بورقيبة شخصية محورية في تاريخ تونس، ينظر إليه كثيرون كرمز للاستقلال وباني مؤسسات الدولة التي صمدت أمام مختلف الأزمات.

وفي ذكرى رحيله، لا يُستحضر بورقيبة كشخصية تاريخية فحسب، بل كفكرة ومنهج قائم على العقلانية والتحديث. ففي ظل التحديات التي تواجهها تونس اليوم، يبدو استحضار تلك الروح الإصلاحية أمراً ضرورياً، روح تؤمن بالعلم والعمل وتغليب المصلحة الوطنية. لقد رحل بورقيبة جسداً، لكن الدولة التي أسسها لا تزال قائمة، تشكل الإطار الذي يجمع التونسيين ويحفظ كيانهم. رحم الله الزعيم الحبيب بورقيبة، وحفظ تونس شامخة آمنة.

أحدث أقدم

نموذج الاتصال