f2e32cc807527256eacc9fac63126acd

هل يستطيع مادورو منع الحرب التي تلوّح بها واشنطن؟

 





فنزويلا بين منطق الحصار وخيارات البقاء السياسي

 صدى العالم نيوز -القسم السياسي -تبدو فنزويلا اليوم واقفة على حافة مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، مواجهة لم تُعلَن رسمياً لكنها تُدار عملياً بأدوات الحرب نفسها. فمع احتجاز ناقلات النفط، وتصعيد الوجود العسكري الأميركي قبالة السواحل الفنزويلية، والتصريحات العلنية الصادرة عن إدارة الرئيس دونالد ترمب حول ضرورة «استسلام مادورو»، يصبح الحديث عن مجرد ضغوط سياسية أو عمليات لمكافحة تهريب المخدرات أقرب إلى التبسيط المتعمّد. نحن أمام استراتيجية ضغط قصوى تتجاوز العقوبات الاقتصادية التقليدية، وتدخل في نطاق الحصار البحري والترويع العسكري، بما يطرح سؤالاً محورياً: هل لا يزال بوسع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو منع الحرب، أم أن مسار المواجهة بات محسوماً؟

منذ سنوات، اعتمدت واشنطن سياسة خنق اقتصادي ممنهج ضد كاراكاس، لكن ما نشهده اليوم يمثل نقلة نوعية. فمصادرة ناقلات النفط، حتى لو جرى تبريرها بذرائع قانونية أو أمنية، تعني عملياً تعطيل شريان الحياة الأساسي للاقتصاد الفنزويلي. النفط ليس مجرد سلعة تصديرية، بل هو العمود الفقري للدولة، وأي مساس به هو مساس مباشر بقدرة النظام على الاستمرار. وفي القانون الدولي، يُنظر إلى الحصار البحري بوصفه عملاً عدائياً لا يختلف جوهرياً عن إعلان الحرب، خاصة إذا تم خارج إطار الأمم المتحدة أو من دون تفويض تشريعي واضح داخل الدولة المنفذة له.

لكن إدارة ترمب لا تخفي أهدافها. فخطابها السياسي، وتصنيفها الحكومة الفنزويلية كـ«منظمة إرهابية أجنبية»، ودعمها العلني للمعارضة، يكشف أن الهدف الحقيقي لا يقتصر على مكافحة المخدرات أو حماية الأمن الإقليمي، بل يتعداه إلى تغيير النظام نفسه. وتأتي فنزويلا، في هذا السياق، كنقطة انطلاق لإعادة رسم ميزان النفوذ في أميركا اللاتينية، التي لا تزال واشنطن تنظر إليها بوصفها مجالها الحيوي أو «فناءها الخلفي»، وفق منطق جيوسياسي قديم يتجدد بأدوات أكثر خشونة.

أمام هذا التصعيد، يدرك مادورو أن خياره العسكري شبه معدوم. فميزان القوة مختل بشكل ساحق، وأي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ستكون بمثابة انتحار سياسي وعسكري. لذلك، لا يسعى الرجل إلى «منع الحرب» عبر الردع التقليدي، بل عبر سياسة الصمود البارد: الامتناع عن الاستفزاز، وتجنّب إعطاء واشنطن ذريعة قانونية أو إعلامية لتوسيع تدخلها، مع السعي في الوقت نفسه إلى تدويل الأزمة وإظهارها كعدوان أميركي أحادي على دولة ذات سيادة.

يعتمد مادورو في ذلك على شبكة دعم دولي محدودة لكنها مؤثرة. فروسيا والصين، وإن لم تكونا مستعدتين لخوض مواجهة عسكرية دفاعاً عن فنزويلا، إلا أنهما قادرتان على تعطيل الإجماع الدولي، ورفع الكلفة السياسية لأي تصعيد أميركي، خصوصاً في ظل نظام دولي يشهد تصدعات عميقة. كما يراهن النظام الفنزويلي على الانقسامات داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث يثير غياب تفويض الكونغرس لتنفيذ عمليات تشبه الحرب جدلاً دستورياً قد يتحول إلى عبء سياسي على إدارة ترمب.

في المقابل، لا يبدو أن واشنطن تبحث عن حرب تقليدية شاملة، بقدر ما تسعى إلى استسلام تدريجي. إنها حرب استنزاف بلا إعلان: تجفيف الموارد، كسر المعنويات، دفع النخب الاقتصادية والعسكرية إلى الانشقاق، وإيصال رسالة مفادها أن بقاء مادورو في السلطة بات أعلى كلفة من التخلي عنها. ولهذا، فإن الاستراتيجية الأميركية تترك دائماً باب «الخروج الآمن» موارباً، ليس حرصاً على فنزويلا، بل لأن الهدف النهائي هو تغيير السلطة بأقل كلفة ممكنة على الولايات المتحدة.


في ضوء ذلك، يمكن القول إن مادورو لا يمنع الحرب بقدر ما يؤجلها ويعيد تعريفها. فهو يحاول تحويلها من مواجهة عسكرية مباشرة إلى صراع طويل الأمد، منخفض الحدة، عالي الكلفة سياسياً لخصومه. نجاح هذه المقاربة ليس مضموناً، لكنه يظل الخيار الوحيد المتاح أمام نظام محاصر يدرك أن قوته الحقيقية لا تكمن في السلاح، بل في قدرته على الصمود، وعلى جعل الحرب – إن وقعت – عبئاً أخلاقياً وسياسياً على من يشنّها، لا عليه وحده.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي قد لا يكون: هل يستطيع مادورو منع الحرب؟ بل: هل تستطيع الولايات المتحدة تحمّل تبعات حرب، حتى وإن كانت غير معلنة، في منطقة اعتقدت طويلاً أنها باتت تحت سيطرتها؟